محمد باقر الملكي الميانجي

35

مناهج البيان في تفسير القرآن

ساعة ثمّ قال : « أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها » وقد أكلتهم السباع ، فأماته اللّه مكانه وهو قول اللّه تبارك وتعالى : « أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ » . . . وبقي إرميا ميّتا مئة سنة ثمّ أحياه اللّه - تعالى - فأوّل ما أحيى منه عيناه في مثل غرقى البيض ، فنظر فأوحى اللّه - تعالى - إليه « كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً » ثمّ نظر إلى الشمس وقد ارتفعت فقال : « أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » فقال اللّه تعالى : « بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ » أي لم يتغيّر « وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً » . فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفطّرة تجمع إليه ، وإلى اللّحم الّذي قد أكلته السباع ، يتألّف إلى العظام من ها هنا وها هنا ، ويلتزق بها حتى قام وقام حماره فقال : « أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . قوله تعالى : « فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ » . العطف بالفاء دليل ارتباط هذه الجملة بما قبلها ، وهذه دليل طول اللبث والشاهد عليه ، فإن التسنّه بمعنى التغيّر ، وبديهيّ أنّ عدم تغيّر الشراب والطعام لا يكون آية لذلك ، إلّا بعد ضمّ آية أخرى فأتى بقوله : « وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ » . والعناية في « انظر » ثانيا غير العناية فيه أوّلا ، فالأوّل لعدم تغيّر الشراب والطعام ، وبقاؤهما طريّين . وفي الثاني هو موت الحمار وتفتّت أعضائه وتفرّق أجزائه ، فلو كانت العناية في الثاني عين الأوّل يكون الحمار أيضا باقيا سالما إلى الحين ، ولما يحتاج إليه ثانيا ، على أنّه لا يكون دليلا وشاهدا على طول مدة اللبث بل يدلّ على عكسه . قوله تعالى : « وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ » . فإنّ إحياء بعد موته حجّة وآية للناس في عصره وفي القرون الآتية ، وآية لنفس هذا المبعوث أيضا ، إلّا أنّ غرض القصّة بالنسبة إليه من حيث رؤيته بالعين ومشاهدته عيانا ليس حيث الآيتيّة كما ذكرنا .